|
كان لزاما علي أن أفعل ذلك : أن أمزق كل أوراق
هويتي، أن أتخلص من ما ثقل وزنه و غلا - أو رخص – ثمنه. هذا ما أمرنا به "
السي عبد الحق". امتثلنا جميعا لأمره. كنا حوالي خمسة و عشرين شخصا بيننا
أربعة نساء إحداهن كانت حاملا. كل الوجوه بدت لي بائسة إلى أبعد الحدود. أتراها
– ملامح البؤس – تبدو جلية على وجهي أيضا؟ كان البحر هادئا و الأمواج تتكسر برفق
قرب أقدامنا و كأنها لا تعلم ما نحن بصدد الإقدام عليه. كنا صامتين كأسماك هذا
البحر، أحيانا كان البعض منا يتبادل حديثا هامسا. مجرد كلام بدون معنى و ثرثرة
لا داعي لها أبدا. الصمت هو البلاغة الوحيدة في هكذا موقف. غاب السي عبد الحق
لدقائق ثم عاد و هو ينظر في كل الاتجاهات و كأنه لص فر من السجن لتوه. قال لنا
أن القارب سيأتي بعد دقائق و علينا أن نستعد . بدأت حركة خفيفة متحمسة تسري
بيننا كادت تتحول إلى صخب قوي لولا أن السي عبد الحق – الآمر الناهي هنا – صرخ
فينا بصوت كالفحيح أن اصمتوا ، و أن لعنة الله على الجميع. تبا ! هل يعرف هذا
الرجل شكل حرف الألف ؟ هل يفرق بين الواو و العصا ؟ لكنه يملك الآن سلطة تجعله
ينهرنا جميعا . سلطة جعلته أقوى مني أنا المجاز في الأدب العربي. تأملت وجهه
لهنيهة ، كانت هناك نظرة حزن في عينيه لم تنجح محاولته في التظاهر بالقسوة في
إخفائها. هذا الرجل يعاني حتما.. هذا ما قلته لنفسي.
(...)
|