من
هنا نبتدي!
«أتوجّه
إليكم بهذه
الرسالة
لأعبّر لكم عن
سخطي ورفضي
للأوضاع
المريعة التي
آل إليها
القضاء
التونسي...»،
هكذا خاطب
القاضي
المختار
اليحياوي
سيادة الرئيس.
كلمات
كالخرطوش
تدوي وتنفلق
على رأس
القابع.
أخي
المختار، لك
مني تحيّة
شاعر القنبلة
والسنبلة:
من
قال إن الفارس
الحبيبَ ماتَ
في الطريقْ
فجاء
راكبا
جوادَهُ
ولابسا
دروعَهُ
صديقْ...
قد
أقبلوا فلا
مساومهْ
المجد
للمقاومهْ
أخي
المختار
لمّا
تنتهي، لمّا
يعمّ الخزي
ويصوّت
الدمار في
الديار،
ولا
ندري لماذا
كلّما أوشكنا
على السقوط
وسلمنا
واستسلمنا،
تبزغ نجمة
توهج
كل
من لم يعتد
النظر إلى
الضوء،
ويأتيك
صدى
صوتٍ من وراء
التيهِ
والضباب يقول:
لمّا
تنتهي، من هنا
نبتدي!!
مختار
اليحياوي،
قاضٍ تونسي،
ترك
قطيع
البعير
واعتلى ربوة
الكبرياء،
مستكبرا،
يأبى السجود
لربّ الزيف
والحيف.
في
رسالته التي
خاطب بها قيصر
قرطاج...
كانت
كلماته
كالفيصل
القاطع،
وكأني به
يستحضر قول
أبي التراب
علي ابن أبي
طالب:
"اسألوني
قبل أن
تفقدوني"
لقد
راهن قيصرَ
قرطاج على
نزوع جمهرة
الناس
للاستكانة
والانبطاح
أمام
المستبدْ...
وما كان
بالمرّةْ
يتصوّر أن من
هذا
الجسد
المكبّل الذي
تفوح منه
رائحة
المنيّة
سيطفو رجل
حدّث عنه
الأجداد:
رجل
كألف وألف
كأفٍ
أخي
المختار...
سبتقى
ذاك القرمطي
الذي نستمد
من
ثباته
ثباتنا، وذاك
الخارج عن
الشيعة
الذي
يلاحقنا دون
هوادة حتى
نتعلّم النسج
بأنا
ملنا لعل
البرق يصحو
فينفخ في تربة
العظام
وهي رميم
ولك
مني ما قاله
فيك معين
بسيسو:
لعرشِكَ
المجيد يا أخي
المجيد
يا
سلطانْ
ففي
الركاب ألفُ
ألفُ شمعدان
وألفُ
ألفُ صولجان
لما
ننتهي
من
هنا نبتدي
إصطف
وراء سهام بن
سدرين
إننا
نخوض اليوم
معركة من أروع
المعارك،
معركة
الكرامة،
فسهام بن
سدرين هذا
الخطاف الآت
من سحر البلاد
أجبر بن علي
على الوقوع في
الجبّ
واقتراف
الخطيئة.
لماذا
تصوّر بن علي
أننا سنبقى
مكتوفي
الأيدي لما
زجّ بسهام بن
سدرين في
السجن؟ ألا
يعلم أننا من
ذريّة أحمد
العربي نرفع
في لمح البصر
دروع
الاستنكار
لما نشاهد
أمهاتنا
وأخواتنا
وبناتنا عرضة
للتنكيل؟
فالتزامنا
الوقوف جنبا
إلى جنب سهام
بن سدرين لهو
دليل ساطع على
فيضان الغضب.
فالشعب يهتف
بصوت رجل واحد:
"إذا
كانت لديك
ذرّة من
الشهامة
والشيم اصطفّ
وراء سهام.
وفيروز
تغني: "أنا
عود زئبق
فاكسرني.."
إن
سهام اليوم في
مقلتيْ
التونسي الأم
التي رضيت
بابنها في
السجن على أن
يوشي برفاقه
والأخت التي
تدفع أخويها
صقر وصخر
للضرب
بالبارود
والابنة التي
تنظر إلى
أبيها كأنما
تنظر إلى ذي
القرنين ملك
العالمين،
والحبيبة
التي تغنّى
بها رعاة
الهضاب
والسهول:
لعج
البرق على
حواشي الكاف
تمادى
حتى بر عبيدة
ظنيتو
برق ربي
ظهر
مضحك حبيبه
كما
نحتاج إلى
صورة تختزل من
خلالها
معاناة
السجين
السياسي
التونسي. فها
هي اليوم سهام
بن سدرين
تهبنا مبهاها
ليكون وجه
ورمز السجين.
أبو
حيان
التوحيدي
الذي قال: "إذا
كانت النفس
تتحرّك بشوق
طبيعي فهي لن
تسكن البتة".
إذا
لم أحترق
إذا
لم تحترق
فمن
منا يضيء
السبيل؟
ما
أعظم الخيانة!
تقول
كلمات أغنية
لبنانيّة
لحّنها
الموسيقار
زياد
الرحباني:
أنا
مش كافر
بس
الجوع كافر
أنا
مش كافر
بس
المرض كافر
أنا
مش كافر
بس
الفقر كافر
والذل
كافر
أشهد
أنني مرتكب
الكبائر
أنا،
سيدي ومولاي،
خائن الوطن
وبائع الضمير.
أنا
الآثم الذي لم
يصن الأمانة.
خنت
البلاد،
لأنني كما
يقول الشاعر:
"أحبّ
البلاد كما لا
يحبّ البلاد
أحد"
خنت
البلاد،
لأنني كتبتُ
عن الفقراء
والمساكين،
عن
المساجين
والمعذّبين
في الأرض.
أنا
بائع الضمير
لما أبيت
الصمت حينما
جثم
القهر
والظلم على
صدر بلدي،
أشهر قلمي و
قرطاسي
في وجه ذلك
الغاشم الأحد
الذي بتر
لسان
التونسي
وتركه أبكم
يلوي دون لسان.
أنا
الذي لم يصن
الأمانة،
لأنني لم أترك
سارق
أموال اليتيم
وعرق الكادح
وخير الجماعة
وقلت
فيه كلاما
مبرحا لا يليق
بمقامه
أقسم
أن قاطن قرطاج
هو الفتى،
حامي
حمى
الوطن،
الفاروق
الساهر على
أحوال
الرعيّة
واليتامى
أقسم
أن قاطن قرجاج
عشّش في قلوب
الناس
كالعنكبوت
وأسدل الخوف
على
الجفون.
سجّل
أنه يحرس
البلاد كما
تحرس
حدائق
الحيوان.
يعطينا ما
نشتهيه من
الطيبات
مقابل أن
نتنازل عن
حقّنا في
الاختيار
والاستنكار.
فهو
لا يبالي بما
قاله القدامى:
"متى
استعبدتم
الناس وقد
ولدتهم
أمهاتهم
أحرارا".
فارفعوا
في وجهه، يا
اخوتي وأبناء
عمومتي،
ما
قاله شاعر
البيداء
والقنى يقرع
القنى:
أي
مكان أرتقي
وأي
عظيم أتّقي
فكلّ
ما خلق الله
وما لم يخلق
محتقر في
ذمتي كشعرة في
مفرقي
ما
أعظم الخيانة
ما
أتفه المروءة